هذه مقالات في الصلاة لم يكن لها مكان مناسب في مفاتيح الكتاب، وبعضها جاء ضمن بعض المفاتيح وخشيت أن يقفزه القارئ ويفوت عليه دون أن يشعر فأبرزته في مقال خاص في هذا التمهيد.
إن الصلاة في جوف الليل الآخر لا يعدلها أي صلاة، إنها الوقود لصحة القلب وحياته، فهي المنطلق والأساس في كل ما يقال في تزكية القلب وتحقيق النجاح في الحياة، بدونها يصبح القلب ضعيفاً لا يمكنه القيام بما أنيط به من واجبات عظام ومهام ثقال.
إن ترك الصلاة في جوف الليل من أعظم الأسباب فيما أصاب الناس من وهن وضعف وانحراف، لماذا؟ لأنهم بهذا أضعفوا قلوبهم وتبعها كل ضعف.
إن قناعة الناس وإيمانهم بأهمية هذا العلاج ضعيفة لذلك يحصل التهاون به حتى من بعض طلاب العلم والدعاة والصالحين.
إن هذا العلاج يستحق مهما أخذ من وقت ومهما كان صعباً مادام الثمن قوة القلب، قوة الإرادة وشرح الصدر واستثمار أعلى للوقت والحياة.
الصلاة في جوف الليل سر من أسرار الحياة، سهل ميسر بعون الله، فاستفد منه قبل فوات الأوان.
جوف الليل الآخر من أهم أوقات الصلاة لذلك فإن الشيطان يحرص أشد الحرص على تفويت هذه الفرصة كل ليلة على الإنسان ليتمكن منه وينتصر عليه كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حين قال: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد <البخاري ومسلم عن أبي هريرة>، وقال عن رجل نام حتى أصبح: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه <البخاري ومسلم عن ابن مسعود>
فاحذر أن يبول الشيطان في أذنيك ويتسلط على قلبك ويزعجك بأنواع الوساوس، بل احرص كل الحرص على الاستيقاظ قبل الفجر وذكر الله والوضوء والصلاة لتحل عقد الشيطان، وتحصل بإذن الله على قوة قلبك وتنتصر على الشيطان ولا ينتصر عليك فيؤذيك خلال يومك وليلتك، أنت في معركة وفي مواجهة عدو؛ فاحذر أن تنسى ذلك وتضع سلاحك وتترك الجهاد فتهزم وتخسر.
إن من أسوأ العادات التي ابتلي بها مجتمعنا اليوم عادة السهر بعد صلاة العشاء والتأخر في النوم إلى منتصف الليل أو قريباً من الفجر ثم النوم وتضييع أهم وأثمن وأغلى موارد قوة القلب والنفس،ومع وضوح الأدلة وكثرتها في هذه المسألة وقوتها إلا أنك ترى الكثير غير مستعد لتغيير هذه العادة والالتزام بالنوم المبكر والاستيقاظ قبل الفجر والصلاة في جوف الليل، وهذا شيء عجيب تقول له هذا هو العلاج، وهو يعاني من المرض ويتألم ثم لا تمتد يده لأخذ العلاج؟
والمشَاهَد في واقعنا اليوم أن هذه العادة لم يقتصر ضررها على ترك صلاة آخر الليل فحسب بل امتد إلى ترك صلاة الفجر أو التثاقل عنها ، حتى إن صلاة الفجر اليوم أصبحت لا تختلف من حيث المقدار عن صلاة المغرب بينما السنة معلومة في هذه المسألة ، وبالمقارنة بين صلاة الفجر في مجتمعنا اليوم وقبله بعشرات السنوات نجد انحداراً تدريجياً في تخفيفها وقلة من يصليها ، وصاحب هذا النقص في صلاة الفجر زيادة المشكلات في المجتمع وحصول الوهن والضعف في النفوس حتى إن معدلات الإنجاز عند كافة شرائح المجتمع أصبحت مقلقة سواء في ذلك الطالب أو المعلم أو الموظف أو الطبيب أو المهندس أو العامل.
لو صلى الناس اليوم صلاة الفجر كما كان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم فإن واقعنا-بإذن الله تعالى-سيتغير إلى الأفضل والأحسن، ويختفي كثير من مظاهر الفشل والنقص شيئاً بعد شيء، فإن الخير يجذب بعضه بعضاً، والشر كذلك يجر بعضه بعضاً، فالإنسان إما في صعود أو هبوط لا يمكنه التوقف أبدا.
إن المتأمل في هدي النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً يجد أن الصلاة هي أهم ما يميز به الأوقات الفاضلة وفرص العمر الثمينة كرمضان عامة والعشر الأواخر وفيها ليلة القدر خاصة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه(البخاري ومسلم عن أبي هريرة)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه(البخاري ومسلم عن أبي هريرة)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله(البخاري ومسلم عن عائشة)، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم فإذا كان العشر شمر وشد المئزر(أحمد عن عائشة)،هذا أهم عمل يختص به رمضان وتستغل به ليلة القدر ، إنه الاجتهاد في الصلاة معظم الليل .
ونلاحظ أيضاً أنه في هذا الشهر العظيم والموسم المبارك شرع صيام النهار ومن أهم مقاصد هذا الصيام أن يكون معيناً على صلاة الليل بتهيئة القلب لتلقي العلم والإيمان، ومحققاً لصحة البدن لينشط في هذه الصلاة المباركة.
وفي العشر الأواخر من رمضان سن النبي صلى الله عليه وسلم لأمته الاعتكاف ليكون معيناً على ذكر الله وكثرة الصلاة التي تقرب إلى الله عز وجل وتزيد الإيمان بالله واليوم الآخر.
ولما سأل ربيعة بن كعب رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم مرافقته في الجنة كان جوابه له: فأعني على نفسك بكثرة السجود، أي كثرة الصلاة، فهذا هو أعلى استثمار في هذه الحياة، وهو العمل الذي يؤهل صاحبه إلى مرافقة الأنبياء في الجنة.
مما لا شك فيه ولا ريب أن الصلاة هي العلاج الجذري والمنهجي لما يشكو منه كثير من المربين والمصلحين مما وقع في صفوف الشباب والفتيات وهو ما يعرف بالعشق أو التعلق، وهو أنواع وألوان، وهو مراتب ودرجات فمنه القوي المستحكم ومنه السطحي الطفيف، ومنه الشامل المستغرق ومنه ما يكون في أمر واحد دون غيره من الأمور.
ومن يقرأ كتاب الجواب الكافي لابن القيم يراه يشخص ما ابتلي به الشباب والفتيات اليوم، وقد أطال ابن القيم في معالجة القضية وتحليلها وأجاد في ذلك إلا أن عين الدواء ربما اختفى في ثنايا كلامه ولم يستطع القارئ فقهه وفهمه.
والخلاصة والاختصار لمن سأل عن الجواب الكافي والدواء الشافي لعلاج هذه المعضلة التي تسيطر على القلب وتفسد السلوك وتوقع المبتلى بإحراجات ونقائص متعاقبة هو: الصلاة بمفاتيحها، والتدريب على تطبيقها بشكل عملي متكامل، إنه علاج عملي واضح يقع على موضع الداء تماماً وبعون الله يقتلعه من القلب والنفس ويحصل الشفاء والتنعم بالحرية والتخلص من عبودية التعلق.
إن عبودية العشق تحصل حين يفرغ القلب من عبودية الله، والصلاة بمفاتيحها إذا طبقت بشكل صحيح متكامل تزرع عبودية الله في القلب وتنمو يوماً بعد يوم حتى يحصل الارتقاء والصعود في سلم الكمالات ومراتب المعالي.
أصل هذا المرض وسببه الأكبر ضعف الإيمان وفراغ القلب من ذكر الله، ثم إطلاق البصر وملاحقة الصور دون مراقبة أو مجاهدة أو محاسبة، فتجد الشباب أو الفتيات يطلقون أبصارهم دون الشعور بأي حرج فيبدأ المرض ثم يزيد بالتدريج إلى أن يستحكم ويتغلغل فيسيطر على القلب ويأسره، وفي هذه المرحلة تتنوع الحالات فالكثير منهم يحصل عنده التعلق بصورة واحدة تسيطر عليه وتسد عليه الأفق فلا يرى غيرها، وفي حالات أخرى يحصل التنقل من صورة إلى صورة بين كل فترة وأخرى.
وفي كل الحالات العلاج بإذن الله سهل ميسر حين يعالج بالصلاة، بالتعليم والتوجيه والترغيب والتدريب إلى أن يتماثل الشخص للشفاء ويحس بالعافية وبعدها يمكنه متابعة نفسه بمفرده مع التأكيد عليه بألا يفرط بالعلاج أو يهمله حين يرى الشفاء ويحس بالعافية فينتكس مرة أخرى.
الصلاة هي العلاج الأول لمن لم يستطع الباءة أي الزواج، والصوم وجاء أي قاطع لما يتبقى من دواعي الشهوة، وقاطع لوساوس الشيطان، فالصوم لا يكون وجاء حتى تكون قبله الصلاة وعلى الوجه الصحيح، فالصوم والصلاة قرينان لمن أراد تزكية قلبه وإعفاف نفسه، وحينما نقول الصلاة فينبغي أن نعلم معنى الصلاة وتعريفها العملي أنها ما تضمنت المفاتيح الأربعة عشر.
حين طرد الشيطان من الجنة أقسم بعزة الله تعالى:قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغوينهم أَجۡمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ (83)ص: ٨٢ -٨٣،لماذا استثنى المخلصين؟ الجواب معلوم: أنه لا يقدر عليهم وليس له عليهم سلطان كما أخبر الله بذلك حين قال: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) الإسراء: ٦٥
دوام الصلاة يحقق التوحيد والإخلاص الذي يحفظ ويحصن العبد من الشيطان، تسلط الشيطان يعني نقص إخلاص العبودية لله، والصلاة تحقق إخلاص العبودية لله رب العالمين، إذاً الصلاة حرز وسياج قوي يحفظ ويحمي العبد من كيد الشيطان، هذا هو التشخيص، وهذه هي المعادلة في هذه القضية.
لا يوجد في هذه الحياة مضاد لسلطان الشيطان على النفس، ومبيد لوساوسه في القلب مثل الصلاة.
إن الصلاة متى أُديت بالكيفية الصحيحة والكمية الكافية فإن الشيطان لا يجد له إلى القلب سبيلاً ولا يكون له سلطان على النفس أبداً.
الصلاة علاج النفس وشفاء القلب وهو بين يديك فإن شئت فاجتهد فيه تحصل على الحصانة والمناعة، وإن فرطت وقصرت في المجاهدة والتدريب فاعلم من أين أتيت وما سبب ضعفك ومصدر بلائك، ومتى تعبت من حالك وأغلقت في وجهك الأبواب فتذكر هذا العلاج وعليك به يشفك الله من كل داء.
مجاهدة الشيطان مستمرة مع الأنفاس وهو متربص يتحين أي غفلة أو ضعف أو ترك للذكر والصلاة ليهجم على القلب ويحتله فيفسد فيه ويؤذي.
ولا يتصور أحد أن كيد الشيطان ينتهي وينقطع بفعل أمر من الأمور فهذا لا يكون أبدا، إنما هو جهاد مدى الحياة.
هذه كلمات موجزة في هذه القضية الكبيرة من قضايا الحياة توضح لك أبعادها وتجيبك على كل أسئلتها، وتجمع لك أطرافها، فمن علم غنم، ومن جاهد سلم.
الصلاة هي وسيلة النصر، أعني الصلاة التي تحقق التوحيد وإخلاص العبودية لله رب العالمين، فالنصر يتنزل على المخلصين.
هذه الصلاة هي أمضى سلاح في هذه الحياة، وكل سلاح عداها فلا يعد شيئاً في مقابلها، إننا قبل أن نفكر أو نشتغل بالأسلحة المادية يجب أن نخطط ونسعى جاهدين إلى زرع هذا السلاح في نفوس أفرادنا، فرداً فرداً، فمتى تحقق ذلك فإن النصر معه بإذن الله، فالنصر مع الصبر، والصبر من أعظم ثمار الصلاة.
الصلاة هي سلاح القوة للفرد والأسرة والمجتمع والدولة، فأي فرد أو أسرة أو أمة حقق أفرادها الصلاة نصرت وسادت، هذا وعد الله المؤكد وليس من عندي، والتاريخ خير شاهد على هذه الحقيقة الربانية، والوعد الإلهي.
إن الصلاة هي السلاح الذي يجب أن يسعى المسلمون إلى التسلح به، وهي السلاح الذي يرهب الأعداء ويقذف في قلوبهم الرعب فلا تنفعهم أسلحتهم شيئا:وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) الأحزاب: ٢٦.
لقد وعد الله عباده المخلصين بالنصر والتمكين فقال : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚوَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)النور: ٥٥ ،هذا هو الشرط وهذا هو الجزاء ، فالمعادلة واضحة وقاطعة ، والوعد من العليم القدير أكيد مضمون ، لكن يبقى العمل ومن يحقق الشرط المطلوب وهو إخلاص العبودية لله وحده لا شريك له، والصلاة هي الوسيلة إلى إخلاص العبودية لله رب العالمين ، فمتى كانت الصلاة صلاة فإن إخلاص العبودية لله حاصل معها ولا بد والنصر جزاء المخلصين.
لم تكن كثرة العدد وقوة السلاح يوما ما هي المعيار الفاصل في القوة بل القاعدة في هذا الأمر : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) البقرة: ٢٤٩,إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) آل عمران: ١٦٠، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا فاطر: ١٠، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ المنافقون: ٨وكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) الروم: ٤٧.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى هذه الصلاة في شدائد الحياة كلها ومن أشدها حين ملاقاة الأعداء، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال ثم جئت مسرعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنظر ما فعل ، فجئت فإذا هو ساجد يقول : (يا حي يا قيوم) لا يزيد على ذلك ، ثم رجعت إلى القتال ، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك ، ثم ذهبت إلى القتال ثم رجعت وهو ساجد يقول ذلك ، ثم ذهبت إلى القتال ثم رجعت وهو ساجد يقول ذلك ، ففتح الله عليه <تعظيم قدر الصلاة 1/343>، وقال ابن القيم في زاد المعاد : " ثم حمي الوطيس واستدارت رحى الحرب واشتد القتال وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعاء والابتهال ومناشدة ربه عز وجل حتى سقط رداؤه عن منكبيه فرده عليه الصديق وقال : كفاك بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك "اهـ ، وفي حديث حذيفة في غزوة الخندق ذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان طول الليل يصلي < مسند أحمد>، وكان هذا دأبه صلى الله عليه وسلم في كل غزواته فكانت الصلاة هي السلاح الذي يستنزل به النصر من ربه ويستدفع به شر أعدائه ومكائدهم، فكان الله ينجيه ويحفظه في كل مرة.
وهذا العون والمدد حاصل لكل من تأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم وسلك طريقه واستن بسنته.
من كان كذلك فهو القائد الذي تنصر أمته، والمربي الذي يصلح مجتمعه، والإداري الذي ينجز أهدافه، أما من تكبر وأعرض أو أهمل وتكاسل فليس له من هذا النصر نصيب.
يكثر في الجيوش استعمال المنشطات أو المهدئات بسبب الخواء النفسي لأفرادها فيستعان في ذلك بالحبوب والعقاقير، وربما وصل الحال ببعضهم إلى استعمال المخدرات والحشيش لأجل تحقيق القوة البدنية المبنية على قوة نفسية وهمية.
النصر الداخلي أول خطوات النصر، ولا يمكن النصر الخارجي بدونه، فالقوة النفسية هي القوة الحقيقة التي ينتصر بها الإنسان على أعدائه في الحياة ، فالمصلي تحصل له القوة النفسية الداخلية حين يحقق التوحيد، ويكتسب القوة والمدد من رب العالمين فيصبح قويا نشيطا ، وهذا تفسير ميزان القوة في حروب الصحابة رضي الله عنهم مع الفرس والروم، فلم يهزموهم بقوتهم البدنية ولا بعدتهم القتالية ولا بخبرتهم العسكرية إنما هزموهم بقوة توحيدهم لرب العالمين في صلاتهم الليل والنهار ، لذلك كان من دعاء المؤمنين: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) آل عمران: ١٤٧
إن ثبات القدمين في الصلاة هو الطريق لثبات القدمين في الجبهات.
النصر هو الصلاة، كلمة نقولها لمن ألهاهم وأشغلهم السعي لتحقيق الانتصار الخارجي ونسوا وأهملوا النصر الداخلي، أي البناء الداخلي للنفس، أي الصلاة بكل مفاتيحها، كلمة نقولها لمن استهلكت أوقاتهم المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية عن تحقيق مفاتيح إقامة الصلاة كاملة ورضوا بأقل من الحد الأدنى في هذا الأمر العظيم.
إن الصلاة أكبر تدريب عسكري متى أحسن استخدامها، فهي تحقق القوة النفسية والبدنية في وقت واحد، وأعني بالقوة النفسية قوة التوحيد لله رب العالمين: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ الأنفال: ٦٠.
إن أحفاد الصحابة اليوم لا يمكنهم النصر على اليهود والنصارى والمجوس إلا بالصلاة بكل مفاتيحها، أما طلب النصر بقومية أو قبلية أو مدنية يختلط فيها المسلم بالكافر والمؤمن بالمشرك فهذا لا يكون، وإن وجد شيء من النصر والغلبة فهو نصر دنيوي لا يحقق قوة الدين وأهله، وهو نصر أثره محدود، وعرضة للانهيار في أي لحظة.
قد ربط الله تعالى الرزق بالصلاة في أكثر من آية في كتابه الكريم ومن ذلك قوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) الذاريات: ٥٦ - ٥٨، وقوله تعالى:وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ (132) طه: ١٣٢؛أي: جاهد نفسك على فعلها وإتقانها وإحسانها وكثرتها ولا تضع وقتك وحياتك في البحث عن الرزق وتأمين المستقبل، فالله لم يخلقك لتتعب وتشقى في طلب رزقك فقد كفله لك حين تصطبر على الصلاة، فمتى رعيت هذه الصلاة وقمت بها كما يجب فإن رزقك مكفول يأتيك وأنت في محرابك: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ آل عمران: ٣٩، كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ آل عمران: ٣٧، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) المنافقون: ٩، قال رسول صلى الله عليه وسلم : لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا <الترمذي وصححه عن عمر بن الخطاب>
المؤكدات لهذه القضية واضحة ساطعة ولكن أكثر الناس لا يعلمون، الكثير من الناس لم يثق بربه وبوعده فاشتغل بما ضمنه له عما أمره به فوكله الله إلى نفسه فتعب وشقي وأضاع الاثنين فلم يحفظ صلاته، ولم يأته من رزقه إلا ما كتب له.
إن ارتباط الصلاة والعبودية بالرزق في آيات القرآن عجيب ودقيق كلها تؤكد هذا المعنى.
ولا يفهم من هذا الكلام الدعوة إلى البطالة وترك السعي في مناكب الأرض بحثا عن الرزق، إنما هي أولويات، فالصلاة أولا ولها الصدارة في احترام مواعيدها ومنحها الوقت الكافي فرضا ونفلا، ثم بعد ذلك في الوقت متسع لطلب الرزق كما قال تعالى:إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) المزمل: ٧.
والمقصود أن الصلاة تثبت في القلب الإيمان والتوكل واليقين الذي هو أعظم أسباب الرزق، وهو باب الخيرات والبركات:وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16) الجن: 16،فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12)نوح: ١٠ -١٢.
لا تظن أن ما تسمع عنه من اجتهاد الصالحين في الصلاة وحبهم لها وشوقهم إليها وتلذذهم بها يأتي طفرة أو فجأة بل إن هذا يحتاج إلى جهاد ومجاهدة ومصابرة، ويسبقه ابتلاء وتمحيص واختبار وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) محمد: ٣١،أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) العنكبوت: ٢
لا تتوقع أن تجد ما وصف في هذا الكتاب من أول مرة، ولا يصرفنك عما ذكر ويحصل عندك الشك والريب ألا تجد، بل إن ما ذكر ليس مصدره ومستنده التجارب والأخبار والأحوال إنما مصدره قول الكبير المتعال وهو أصدق القائلين، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى فالثقة بما وصف ثابتة وقوية لكن يبقى الأمر من يفوز ويصل ومن ينقطع به الطريق ويحال بينه وبين الجائزة العظمى والمنحة الكبرى والمنة العليا.
الأمر يحتاج إلى استعانة بالله تعالى وقوة توكل عليه وكثرة دعاء وإلحاح آناء الليل والنهار مستمر لا يفتر ولا ينقضي ولا ينتهي حتى يصل إلى المطلوب ويظفر بالمرغوب.
المجاهدة في الصلاة لجمع القلب على الله تعالى ولتركيزه على تدبر ما تقرأ وما تقول تحتاج إلى بذل جهد مضاعف واهتمام كبير، فجمع القلب في الصلاة وإقباله على الله يحتاج إلى صبر ومصابرة ومرابطة، ولا يصح أن يطلق المصلي لنفسه العنان تفكر كيف شاءت وبما شاءت وتسرح وتجول في كل واد بل عليه أن يجاهدها وأن يردها كلما همت بالشرود أو حاولت الخروج، ومع التكرار فإنها تروض وتذعن وتتعود على الاستقرار والاجتماع بإذن الله تعالى.
فاستدرك عمرك وبادر باغتنام فرصتك واستثمار وقتك وحياتك.
نسمع في هذه الآونة كثرة المطالبة بحضور الدورات من أجل علاج المشكلات التربوية والنفسية أو بناء وتغيير الذات، وأقول إن العلاج لمثل هذه الأمور في الصلاة قبل أن يكون في البرامج والدورات، فمن يريد علاج مشكلاته وإصلاح نفسه وتربيتها، فعليه بالصلاة، لكن ليس أي صلاة بل الصلاة بمفاتيحها كاملة، والسبيل إلى ذلك التدريب على تحقيق مفاتيحها، أي المجاهدة في أن تكون صلاة تامة كاملة.
الصلاة التي يصليها اليوم كثير من المسلمين صلاة ناقصة ولهذا لا تحقق لهم بناء الذات، وتربية النفس، وزكاة القلب، وليس العيب في الصلاة إنما العيب من المصلي الذي لم يصل صلاة تامة، وهذا الكلام يقال جوابا لمن يقول: إننا نرى كثيرا من النواقص والظواهر السيئة عند المصلين.
الصلاة هي الوسيلة لبناء الإنسان الصالح المصلح، ومتى صلحت صلاة الإنسان صلحت تلقائيا كل أموره التي يحاول البعض إصلاحها مفككة منفصلة فمن المعلوم أن جميع جوانب حياة الإنسان متوقفة على قناعاته وأفكاره ومعتقداته، والصلاة مهمتها بناء الأفكار والمعتقدات إذا أديت بطريقة صحيحة.
كل المشاكل الأخلاقية والسلوكية سببها إهمال الصلاة والتفريط فيها: أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) مريم: ٥٩، إنه متى تم بناء الشخصية القوية من خلال الصلاة فإن بناء المهارات الأخرى يكون أسهل وأسرع بمرات كثيرة مقارنة بضعيف الشخصية، لأن صاحب الشخصية القوية يتعلم أسرع والتزامه قوي وجديته عالية وهذه أمور بلا شك تختصر كثيرا من الجهود والأوقات.
فالصلاة هي القاعدة وهي السقف لكل ما يريده الإنسان في هذه الحياة، هي أولا وآخرا، إنها نعمة عظمى منَّ الله بها على عباده، فمن استفاد منها تنعم وسعد في الدنيا والأخرى، ومن أهمل وفرَّط شقي في دنياه وآخرته.
فنقول أصلحوا الصلاة أولا لتختصروا الوقت والجهد في الإصلاح والتربية والتغيير، فإذا أصلحتم الصلاة وبقيت أشياء تحتاج إلى إصلاح فابحثوا عنها في غيرها، أما إشغال الوقت بالبحث عن الإصلاح في البرامج والدورات مع إهمال الصلاة فهذا إتيان للبيوت من ظهورها، وعكس لسلم الأولويات.
التربية هي الصلاة، هذا باختصار هو التعريف العملي للتربية وبيان حدودها، وكل ما عدا ذلك من أمور التربية فهي أمور فرعية تأتي تبعا لهذا الأصل العظيم الذي يصنع روح الإنسان، ويربي نفسه تربية يسهل معها كل تربية، ويمكن معها غرس كل فضيلة واقتلاع كل رذيلة بيسر وسهولة.
إن التربية على الصلاة تزرع في النفس القوة الموجهة للذات التي تقودها إلى المكرمات وتذودها عن السفاسف والدناءات، أما من يفقد التربية على الصلاة فيصعب ملاحقة مفردات سلوكه وتعديل أخلاقه وتصرفاته.
الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وكفى بهذا البيان من رب العالمين تأصيلا وتأكيدا لما أريد إثباته في هذا المقال.
التربية هي الصلاة، لكن البعض قد يجهل كيفية التربية بالصلاة، والبعض ربما ينقص فقهه وفهمه لهذه القضية فيرى أن الصلاة مجرد عبادة من العبادات تؤدى حسب تعليمات معينة وانتهى الأمر.
والصواب هو ما تم تقريره وتوضيحه في مسائل هذا الكتاب، نسأل الله بمنه وفضله أن يهدينا إلى سواء الصراط.
التربية على الصلاة يكون بأمرين:
الأول: لماذا أصلي؟ وهو المفتاح الأول.
الثاني: كيف أصلي؟ وهو بقية المفاتيح.
لا يصح في التربية الفصل بين القرآن والصلاة، فيكون حفظ القرآن في جهة، والصلاة في جهة كما يفعله بعض المربين في الحلقات، بل هما لحمة واحدة، كتلة واحدة، سبيكة واحدة، إن التربية يجب أن تسير على الاثنين معا وفي مسبك واحد كما تم بيانه في هذا الكتاب، وكتاب: الحفظ التربوي للقرآن، وكتاب: مشروع خطوات التربية على الحياة.
وأما اقتصار بعض الحلقات على تحفيظ القرآن دون التربية على الصلاة، أو عدم إعطائها ما تستحق،أو الفصل بينهما، فهذه أخطاء تربوية تحتاج إلى تصحيح.
نصف لله أي ثناء على الله تعالى وتعظيم له وتقديس، وتمجيد، ونصف للعبد أي تضرع واستكانة وذل وخشوع وإخبات وافتقار وخشوع وخضوع وانكسار.
والقرآن بيان لهذين النصفين، وتفصيل وتوضيح لهما، فبقراءة القرآن بتدبر في الصلاة يتفقه العبد في عظمة ربه وجلاله وقدسيته ووحدانيته، ويتفقه العبد بفقره وفاقته وشدة حاجته واضطراره إلى ربه وخالقه وأنه لا يستغني عن ربه طرفة عين.
استحضار هذا المعنى يجعل الصلاة أكثر عمقا وفقها ويجعل المصلي يركز ويعي ما يقول فكل ما يقوله المصلي في صلاته لا يخرج عن هذين القسمين.
فهذه الأمور الثلاثة: قراءة القرآن بتدبر في القيام، وتعظيم وتقديس الله في الركوع، والتضرع وكثرة الدعاء في السجود، لا بد منها معا، ونقص أحدها وإهماله يؤدي إلى موت الصلاة أو ضعفها.
وجاء بيان هذه الأمور الثلاثة في أواخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بيوم أو يومين، وذلك فيما أخرجه مسلم عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستر ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه فقال: اللهم هل بلغت ثلاث مرات إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو ترى له ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم.
بعض المصلين يركز على قراءة القرآن وينسى التعظيم أو ينسى التضرع، وبعضهم يركز على التضرع والانكسار والسؤال وينسى تدبر القرآن أو ينسى تعظيم الله وإجلاله وتقديسه، فمن فعل ذلك فقد وقع في نقص عظيم وفاته خير كثير.
والمقصود أنه لا بد من التوازن بين هذه الأمور الثلاثة لتكون الصلاة صحيحة سوية، حية نابضة قوية مؤثرة، لا بد من هذه الأمور الثلاثة لتحقق الصلاة مقاصدها.
وهكذا كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فكان قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه قريبا من السواء.
كانت وصية نبينا يعقوب عليه السلام عند موته: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي البقرة: ١٣٣، وكانت وصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ، والوصية واحدة، فوصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالصلاة هي وصية بالتوحيد إذ هي طريق تحقيقه وسبيل وجوده لمن صلى الصلاة التي يريدها الله تعالى ، الصلاة التي كان يصليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ البقرة: ١٧٧، فالصلاة التي يصليها كثير من الناس اليوم صلاة شكلية صورية يقوم فيها المصلي ويقعد، يركع ويسجد، ثم يسلم،ويعتبر نفسه صلى،وحقيقة الأمر أنه ما صلى، ويا ليته يدري أنه ما صلى، يا ليته يدرك خطورة الأمر لكي يبحث ويفتش ويحاول الإصلاح والتغيير.
يظن بعض الناس أن الإدارة مهارة يمكن اكتسابها عن طريق القراءة أو الممارسة، وهذا ظن صحيح لكنه بعض الحقيقة، أما حقيقة الإدارة فهي شخصية إدارية قبل أن تكون مهارة.
وهذه الشخصية جهتان: الأولى: إرادة، الثانية: قدرة.
الجهة الثانية موهبة من الله تعالى فاوت بين الناس فيها ليتخذ بعضهم بعضا سخريا، فالناس يتفاوتون فيما بينهم في الذكاء والذاكرة تفاوتا كبيرا، والإدارة ترتكز بشكل كبير على هذين الأمرين لأجل فهم المواقف وجمع البيانات وتحليلها وإصدار القرار الصحيح في اللحظة المناسبة، والصلاة تعين على استغلال هذه القدرات بأعلى تشغيل واستثمار، ذلك أن البعض قد أوتي قدرات لكنها معطلة بسبب ضعف النفس والقلب.(انظر كتاب القراءة بقلب)
والجهة الأولى مكتسبة وتتضمن الأخلاق والصفات الشخصية التي يتعامل بها الإنسان مع المتغيرات من حوله، وهذه الأخلاق يمكن تحصيلها بطريق التربية والإعداد والتكوين، والصلاة هي أفضل حقيبة تدريبية تحقق هذا الهدف الكبير.
إن الإداري حين يفقد هذه الأخلاق فإن قدراته تكون وبالا عليه وعلى العمل الذي أسند إليه، فيتخذ المنصب الذي وصل إليه سلما لتحقيق مصالحه الشخصية على حساب المصالح العامة فيفسد ولا يصلح، وإن أصلح فلأجل أن يتوصل إلى مغانم يخطط في الوصول إليها.
إن الأمة تعاني من أزمة حادة في الإدارة على جميع مستوياتها ولا مخرج لها من هذه الأزمة إلا بالصلاة، يربى الناس عليها لتنتج لنا الإداري الناجح الذي يقود العمل ويرتقي به من نجاح إلى نجاح.