المفتاح الأول: حفظ مقاصد الصلاة (لماذا أصلي؟)

إن استحضار مقاصد الصلاة وحضورها في القلب بصورة صحيحة وعميقة من أهم ما يفتح للعبد تعظيم الصلاة ويجعله يعرف علو شأنها ورفيع قدرها، وعظيم خطرها، وشرف مكانتها، والعلم بمقاصد الصلاة من أهم الأسباب الجالبة لحب الصلاة وقوة الرغبة في الإكثار منها وتطويلها والتلذذ بها ذلك أن من عرف قيمة الشيء حرص عليه ورغب فيه.

إن تعظيم الصلاة ومعرفة شأنها فرع عن العلم بمقاصدها وقوة اليقين بمعانيها، فقوة الإيمان بالصلاة هي أول وأولى لبنة يتم بناؤها في تربية الإنسان وصناعته.

إن الحفظ التربوي لمقاصد الصلاة ليس بالأمر السهل بل يحتاج إلى جهاد ومكابدة حتى يتمكن العبد من ربطه وعقله في قلبه وتثبيته في فؤاده وحينها يكون هدي إلى الصراط المستقيم وسار على الدرب القويم.

إن تعلم وتعليم مقاصد الصلاة لهو من أهم الواجبات وأول المفروضات لأنه به يستقيم عمود الدين ويحصل به السير على الصراط المستقيم.

ومع هذا الحفظ وقبله وبعده لا بد من كثرة الدعاء بأن يجعل الله الصلاة قرة عينك وأن يشرح لها صدرك،أي دوام التضرع بأن ييسر الله لك هذه الصلاة وأن يجعل لك منها أوفر الحظ والنصيب، فكان من دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام:رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) إبراهيم: ٤٠، فادع الله ليلا ونهارا سرا وجهارا أن يجعلك وذريتك من مقيمي الصلاة، لا يهدأ لك بال، ولا تقر لك عين حتى تكون الصلاة قرة عينك وذريتك وإخوانك المسلمين.

ينظر بعض الناس إلى الصلاة على أنها واجب يؤديه ، أو قربة من القرب وطريقا من طرق كسب الثواب ، وزيادة الحسنات فحسب ، ومن كانت هذه نظرته للصلاة فإنه لم يقدر الصلاة حق قدرها ولم يفقه سر مشروعيتها؛ فرضا ونفلا، ولم يتبين له سبب حرص النبي صلى الله عليه وسلم الشديد عليها ، و من خلال عرض مقاصد الصلاة نعلم أن الصلاة هي التوحيد، هي الإيمان، هي العلم ، هي الدين ، هي منبع القوة ، ومصدر الطاقة الذي يمد القلب والنفس بالحياة، ومن ثم تسري هذه الحياة إلى بقية أعمال الإنسان، ومن أجل ذلك لا بد أن يكون لها اهتمام خاص ، وتقديم دائم على سائر الأعمال، أما من نقص علمه في هذا الباب فربما اشتغل بالمفضول عن الفاضل، وترك الأهم اشتغالا بالمهم ، أي أننا ربما نجد من اشتغل بالدعوة والتربية وقد أهمل نفسه في هذا الأمر  فصار هو بحاجة إلى دعوة وتربية .

المقصد الأول: ذكر الله، العلم، التوحيد، الإيمان

يقول الله تعالى : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) طه: ١٤ ، ويقول عز من قائل: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) العنكبوت: ٤٥, وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ (114) هود: ١١٤

دلت هذه الآيات وغيرها على أن المقصود الرئيس من إقامة الصلاة ذكر الله.

وما هو ذكر الله؟

هو اليقين بأنه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو إخلاص العبودية لله وحده، هذا هو أساس مقاصد الصلاة وقاعدتها ومنه تتفرع بقية المقاصد.

المقصود الأعلى والأعظم من الصلاة أنها ترسخ في القلب العلم بأنه: (لا إله إلا الله)، الذي يحفز ويقود النفس إلى عبودية الله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك)،هذا هو هدف الصلاة والغاية من مشروعيتها، الصلاة بجميع أفعالها وأقوالها من بدايتها إلى نهايتها تحقق هذا المقصود متى كانت صلاة تامة.

إذا سألتك نفسك: لماذا أصلي؟

فالجواب: أصلي لذكر الله، لأحفظ اسم الله فلا يغيب عن قلبي طرفة عين.

كلما صليت كلما زدت فقها وعلما بالله، كلما زدت نورا وهدى وبصيرة وتقى ويقينا وإنابة وخشية وتوكلا، وهذا عين إخلاص العبودية لله رب العالمين.

 الصلاة لمذاكرة وحفظ العلم بالله، الصلاة تعلم ودراسة وقراءة اسم الله.

حين تصلي فأنت تطلب العلم، وليس أي علم، بل هو أعلى علم وأشرفه وأعظمه، إنه علم: لا إله إلا الله،ويخطئ من يغيب عن قلبه هذا المعنى.

 الصلاة أول ما تكون لطلب العلم، لزيادة العلم بالله واليوم الآخر، هذا هو الهدف الأكبر من الصلاة.

كيف نعلم أن الصلاة تحقق العلم بلا إله إلا الله، الذي يحقق إخلاص العبودية لله رب العالمين؟

علامة ذلك أن يوجد في القلب الافتقار إلى الله تعالى في كل لحظة، أن يكون العبد كثير التضرع والابتهال والإلحاح في سؤال الله؟ علامة ذلك أن يوجد في قلب العبد اليقين والإخلاص بأنه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اليقين بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، أن يكون لسان حال العبد مع كل نفس من أنفاس حياته هذه الكلمات العظيمة: (اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك،وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت)، هذه الفطرة التي يجب أن يحيا عليها الإنسان ويموت.

كل كلمات الصلاة من التكبير إلى التسليم ترسخ هذا المعنى وتثبته في القلب.

 وكلما زدت أيها العبد صلاة كلما زاد يقينك وعلمك بهذه المعاني، هذا المفترض فإن لم يوجد فاعلم أنها ليست صلاة.

 فإذا كنت كلما صليت كلما زدت افتقارا إلى الله وتضرعا إليه، إذا كنت كلما صليت زدت تعظيما وتقديسا لله وتنزيها وتسبيحا لله، إذا كنت كلما صليت زدت رؤية لتقصيرك وتفريطك في جنب الله، واجتهدت في الاستغفار أكثر وأكثر، فصلاتك حقا صلاة، وإلا فليست بصلاة، ويقال لك: ارجع فصل فإنك لم تصل.

 ما لم تحصل على هذه النتيجة فصلاتك صلاة شكلية صورية، صلاة جسد بلا روح.

ضابط هذا المقصد ومعناه: أن يتحقق في القلب: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك، أن ينقطع قلبك عما سوى الله، أن تتيقن في كل لحظة أنك على خشبة في لجة البحر تنادي يا رب يا رب، أن تعلم أنك محاط بالضر في كل لحظة وفي كل حال لا تنفك من ذلك أبدا حتى وأنت في أيسر ما تكون.

أن ينطق قلبك قبل لسانك في كل لحظة بقول: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا من يجيب المضطر إذا دعاه، يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله رب العرش العظيم، رب إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا كبيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي.

أن يكون حالك كما أخبر الله: فادعوا الله مخلصين له الدين، دعا ربه منيبا إليه، ضل من تدعون إلا إياه، فإليه تجأرون.

أن تحذر من: ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون، مَرَّ كأن لم يدعنا إلى ضر مسه، نسي ما كان يدعو إليه، قال إنما أوتيته على علم عندي.

هذه الكلمات وأمثالها تصور معنى التوحيد والإخلاص الذي يجب أن يقوم في قلب العبد في كل لحظة وفي كل حال، في السراء قبل الضراء، وفي الرخاء قبل الشدة، في اليسر قبل العسر، وفي الصغير قبل الكبير، وفي اليسير قبل العسير.

الصلاة مهمتها تحقيق هذا المعنى في قلب المصلي، وتثبيته وترسيخه.

ومتى كان هذا المعنى موجودا حيا نابضا في كل الصلاة، فهذه هي الصلاة التي ذكرت في القرآن ووصفها الله لعباده دواء لكل داء وعونا على الحياة في السراء والضراء، فكلما أحسست بضعف أو نقص توحيد الله في قلبك فافزع إلى الصلاة وأن تكون بتضرع وذل وانكسار لله رب العالمين، تجد أن الحياة قد عادت إلى قلبك فقوي الإيمان وزاد اليقين.

المقصد الثاني: الدخول على الله ومناجاته

الصلاة دخول على الله تعالى ووقوف بين يديه لا يشبهها أي عمل من الأعمال في هذا المعنى، الصلاة حال مميزة وفريدة من بين أحوال العبد كلها في هذه الحياة الدنيا، الصلاة وضع خاص شرعه الله لعباده لمن أراد الدخول عليه والوقوف بين يديه.

تذكر أنك حين تدخل في الصلاة حين تكبر تكبيرة الإحرام أنك انتقلت من حال إلى حال، ومن عالم إلى عالم، ومن مكان إلى مكان، تذكر هذا بيقين وتأكد أنه كذلك.

فالأحاديث صحيحة لا ريب في صحتها، ومعناها قطعي لا مجال في تأويله أو صرفه عن ظاهره ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين القبلة(البخاري عن أنس) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله قبل وجهه (البخاري عن ابن عمر) ،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الله عز وجل مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت انصرف عنه(أبو داود والنسائي عن أبي ذر) ،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت (الترمذي وصححه عن الحارث الأشعري) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه فلينظر كيف يناجيه  (الحاكم عن أبي هريرة وهو في صحيح الجامع) وحديث (قسمت الصلاة) وهو في صحيح مسلم دليل واضح على المناجاة بين العبد وربه في الصلاة.

وعن عبدالله بن المبارك، قال: سألت سفيان الثوري قلت: الرجل إذا قام إلى الصلاة، أي شيء ينوي بقراءته وصلاته؟ قال: ينوي أنه يناجي ربه (تعظيم قدر الصلاة: 1/183).

وعن عباد بن كثير،قال: للمصلي ثلاث: تحف به الملائكة من قدميه إلى عنان السماء، ويتناثر عليه البر من عنان السماء إلى مفرق رأسه، وينادي مناد: لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل (تعظيم قدر الصلاة: 1/183).

فينبغي إجلال هذه المخاطبة وتقديرها حقّ قدرها، إنك متى استشعرت هذا المعنى فستدرك معنى الصلاة وعظيم شأنها، أما من يغيب هذا المعنى عن قلبه ويسهو عنه فإنه لا يعرف قيمة الصلاة ولا يحس بعظمتها، ولا يدرك لذتها.

ولو لم يكن في الصلاة إلا هذه لكفى بها حافزا لهذا الإنسان الضعيف العاجز الفقير أن يفزع إلى الصلاة وأن يجود بالنفس والوقت عليها، قال بكر بن عبد الله المزني: من مثلك يا ابن آدم؟ إذا شئت أن تدخل على مولاك بغير إذن دخلت، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: تسبغ الوضوء وتدخل محرابك فإذا أنت قد دخلت على مولاك تكلمه بلا ترجمان. (المتجر الرابح:32)

والواقع أن لذة المناجاة التي يجدها المصلي واحدة من ثمار ومنافع الصلاة في الدنيا قبل الآخرة، وإن كانت ليست كل المقصود من الصلاة.

وهذه اللذة والسعادة التي يجدها المصلي عظيمة وثمينة وغالية فكم بحث الناس عنها في المشرق والمغرب وبذلوا في تحصيلها الأموال الطائلة، وأمضوا الأوقات الطويلة رغبة في بلوغها وهي أقرب إليهم من حبل الوريد، إنها الصلاة، لكن ليس أي صلاة، بل الصلاة بمناجاة.

لقد قال قائل أولئك القوم -ممن وجد حلاوة الصلاة، وذاق لذة المناجاة -: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه فإنهم في عيش طيب، وقال آخر: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وقال بعضهم: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف، قيل لأحد الصالحين: ما بقي مما يتلذذ به؟، فقال:سرداب أخلو بربي فيه، وقال آخر: ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا بلال أرحنا بالصلاة < أحمد وأبو داود>، وقال صلى الله عليه وسلم: جعلت قرة عيني في الصلاة < أحمد والنسائي عن أنس>

هذه اللذة التي شمر إليها المشمرون واجتهد في تحصيلها المجتهدون، وخسر في الحصول عليها المغبون.

حين يتفرغ المؤمن للقرآن والصلاة يجد من الفتح والفهم والفقه ما لم يجده دون ذلك، وهذه الفتوحات تورث لذة الإيمان وحلاوة المناجاة، والتجارب والشواهد في هذا كثيرة ومما سجله لنا التاريخ تجربة شيخ الإسلام ابن تيمية حين حبس في قلعة دمشق يحكيها لنا ابن رجب فيقول: "وبقي مدة في القلعة يكتب العلم ويصنفه، ويرسل إلى أصحابه الرسائل، ويذكر ما فتح الله به عليه في هذه المرة من العلوم العظيمة، والأحوال الجسيمة. وقال: قد فتح الله علي في هذا الحصن في هذه المرة من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كان كثير من العلماء يتمنونها، وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن، ثم إنه منع من الكتابة، ولم يترك عنده دواة ولا قلم ولا ورق، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر، قال شيخنا أبو عبداللّه بن القيم: سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، ونور ضريحه، يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة "اهـ إنها جنة الصلاة.

فلماذا لا نحبس أنفسنا مع القرآن والصلاة لنرى هذه المشاهد ونبصر تلك الحقائق ونصل إلى تلك الأحوال التي نسمع بها ولا نراها، لست أدعو إلى العزلة التامة عن الناس، بل المقصود أن يكون زمام أنفسنا بأيدينا لا بيد غيرنا، وأن نعطي القرآن والصلاة من الوقت والحياة ما يوصلنا إلى هذه الجنان التي أخبر عنها أهل التجربة.

المقصد الثالث: القرآن: تدبر وتذكر، فهم وحفظ

يقول الحق تبارك وتعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابَ (29) ص: ٢٩، إن البعض ممن يستدل بهذه الآية يكتفي بذكر أولها لأن مراده ومقصوده التدبر، وينسى الأمر الأهم وهو التذكر، إنهما ركنان لازمان للانتفاع بالقرآن لا يغني أحدهما عن الآخر، وهما ركنا العلم أعني: الفهم والحفظ، فلا علم بفهم دون حفظ، أو بحفظ دون فهم.

وكذلك الحال بالنسبة للقرآن، لا انتفاع بتدبر دون تذكر، أو بتذكر دون تدبر، لابد من الأمرين معا.

ومن أهم مقاصد الصلاة تحقيق هذين الأمرين خاصة الثاني، وقد خص الحق تبارك وتعالى التذكر بأولي الألباب مما يدل على أنه المقصود.

إن قراءة القرآن في الصلاة يحقق حفظ المعاني وربطها بالقلب ومن ثم ربطها بالحياة والواقع.

تدبر القرآن وتذكره هو العلم هو الإيمان هو الذكر، لذلك كان هو أفضل الصلاة، كما جاء في الصحيح: أفضل الصلاة طول القنوت (مسلم عن جابر)، أي طول القيام وكثرة قراءة القرآن.

قراءة القرآن هو مصدر الطاقة التي تمد الصلاة بالحياة، وبدونها أو بضعفها يحصل النقص والخلل في الصلاة.

إن من أهم مقاصد الصلاة قراءة القرآن، وتدبر وتعلم ما فيه من علم وعمل.

قراءة القرآن في الصلاة لا يشبهها أي قراءة، ولا يقوم لها أي طريقة في تحقيق تدبر القرآن وتفتق معانيه.

إن اجتماع القرآن والصلاة اتحاد بين أمرين يحصل بسببه حياة لمعاني القرآن، وفي صلاة الليل خاصة، والأدلة على هذا كثيرة ذكرت طرفا منها في كتاب مفاتح تدبر القرآن.

حين تقوم للصلاة تذكر هذا المقصد واستحضره لتدرك هذه الفضيلة وتكسب هذه المنزلة العالية الرفيعة، منزلة فقه القرآن وتدبر آياته، وخاصة أم القرآن الفاتحة.

المقصد الرابع: الدعاء: تعظيم وتضرع، ثناء وسؤال

من أهم مقاصد الصلاة الدعاء، بل الصلاة هي الدعاء، هذا معناها في اللغة وهو معناها في الاصطلاح.

الصلاة وهي الدعاء، نصفان:

الأول: تعظيم الله وتقديسه وتمجيده، والتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.

الثاني: الانكسار والخشوع والخضوع والذل والفقر،والسؤال.

سئل الإمام أحمد عن سر وضع اليدين على الصدر حين القيام في الصلاة فقال: ذل بين يدي عزيز،وقال ابن حجر: قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع (فتح الباري 2/224) هذا ما يجب أن تستشعره حين تقوم في الصلاة،أنك سائل ذليل بين يدي العزيز الجبار الواحد القهار، تذكر من أنت أيها العبد وبين يدي من تقف يظهر لك حقيقة موقفك.

كان الصالحون حين يريدون الدخول في الصلاة يشعرون بالخشية والهيبة والوجل لأنهم يعلمون ما معنى الصلاة، وبين يدي من سيقفون ومن يناجون ويخاطبون.

 قال مجاهد رحمه الله: كانوا إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء أو يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشأن الدنيا إلا ناسيا ما دام في صلاته < تعظيم قدر الصلاة 1/188>

الخشوع والانكسار بين يدي الله تعالى؛ أمر عظيم شأنه، سريع فقده، نادر وجوده قال النبي صلى الله عليه وسلم: أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعا <الطبراني في الكبير عن شداد بن أوس >،وفي فضل الخشوع ووعيد من تركه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل، فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذّبه < أبو داود عن عبادة بن الصامت وهو في صحيح الجامع >.

الغالب على الإنسان نسيان فقره وذله وعبوديته لله ، ونسيان كبرياء الله وعظمته وملكوته وجبروته، لذلك يغلب على كثير من الناس الاستكبار عن عبودية الله، ومن أجل ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بالشدائد ليس إهانة ولا تعذيبا ، بل رحمة بهم لكي يعرفوا حقيقة فقرهم وفاقتهم ، فيخشعوا ويذلوا ويخضعوا ويستكينوا لله رب العالمين ، يقول الله تبارك وتعالى :  وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) المؤمنون: ٧٦،وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) الأنعام: ٤٢ - ٤٣، والعبد الموفق هو من يفقه هذا الدرس ويفهم سر الابتلاء ويعلم ما يريده الله من عباده، إنه يريد منهم أمرا واحدا أن يفروا إليه ويلجأوا إليه سبحانه ويقفوا بين يديه الساعات الطوال متضرعين مخبتين متذللين، هذا حق العبودية لله سبحانه وتعالى على خلقه .

إن كثيرا من الخلق يستكبر عن هذه العبودية ويتأخر عنها إلى أن يصل إلى طريق مسدود ويشرف على الهلاك هناك يتذكر أنه عبد ضعيف فقير فيلجأ إلى الله تعالى ، الذي بيده القوة ، بيده الخلق والأمر فيخلص له العبودية، وليت هذا اليقين والتوحيد يدوم بل إنه مؤقت يزول بزوال المؤثر فما إن يزول حتى يعود إلى شركه مرة أخرى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) العنكبوت: ٦٥ , وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) الزمر: ٨

إن الإنسان مادام في عافية وأمن ورخاء فإنه ينسى فقره وشدة حاجته إلى ربه، ولو تفكر في حاله لعلم أنه لا شيء، وأنه في أي لحظة يمكن أن تنقلب حاله فعندها يدرك أنه عبد ضعيف عاجز، فقير إلى عون ربه، محتاج إلى عفوه ورحمته.

وقد أكد الله هذا المعنى في القرآن كثيرا، من ذلك قوله تعالى:  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ (3) فاطر: ٣,أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُۚ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) الملك: ٢١, قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)الملك: ٣٠، أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) الواقعة: ٦٣ - ٦٥، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) الواقعة: ٦٨ - ٧٠،أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) الإسراء: ٦٨ , أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) الأعراف: ٩٧ - ٩٩ ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا  نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه (مسلم عن أبي ذر) .

إن الله عز وجل يريد من عباده أن يعرفوا حقيقة فقرهم، وأن يقوموا بواجب العبودية له سبحانه، فيحصل منهم الخضوع والاستكانة والتضرع إليه سبحانه، وأعظم ما يكون هذا الخشوع وتلك الاستكانة في الصلاة، لذلك كانت الصلاة هي مفزع الحبيب صلى الله عليه وسلم حين الشدائد في الكسوف والخسوف وفي القحط والجدب وفي كل غزواته، وفي جميع المواقف الصعبة.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الحالات يفزع إلى الصلاة وليست أي صلاة بل إنها صلاة من نوع خاص لا يطيقها إلا الأقوياء ممن تربى على الصلاة تربية عميقة طويلة وجاهد في الله حق جهاده، أما من لم يكن كذلك فإنه لا يطيق هذا العلاج ولا يمكنه أن يستفيد منه لا في الشدة ولا في الرخاء.

الصلاة كلها دعاء وتضرع من فاتحتها إلى خاتمتها ويختص السجود لأنه غاية الذل والخشوع؛ بإفضاء العبد بحاجاته إلى ربه وهذا بعد أن يمر بمراحل سابقة فيها تعظيم لله عز وجل واعتراف بحقه يبدأ بدعاء الاستفتاح ثم ما تضمنته الفاتحة من المعاني العظيمة ثم ما يقرؤه من القرآن ثم التسبيح في الركوع ثم الحمد في الاعتدال ثم استفتاح السجود أيضا بتعظيم الله وبعدها ترفع الحجب وتفتح الأبواب فيفضي العبد بما في صدره وما يريده من ربه فعندها يستجاب الدعاء ويسمع النداء، ويكشف الكرب، ويزول البلاء.

المقصد الخامس: الشكر

الصلاة حق العبودية لله تعالى يقوم بها من كان عبدا شكورا وبهذا الجواب نطق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين رأت عائشة رضي الله عنها شدة اجتهاده في الصلاة وكثرتها فقالت: كيف تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال صلى الله عليه وسلم: أفلا أكون عبدا شكورا،والمعنى: إذا كان الله غفورا رحيما؛ قد غفر لي ذنبي وتجاوز عني أفلا أقابل هذا العفو والمغفرة بالشكر والثناء على هذه النعمة العظمى نعمة المغفرة لما تقدم من الذنب وما تأخر؟

إن ذلك هو فعل أهل الكرم والنفوس السخية الندية التي تقدر الجميل حق قدره وتقابل الإحسان بالإحسان.

أما من قابل نعمة العفو والمغفرة ونعمة الصحة والعافية باللهو والغفلة والدعة والكسل أو بالمعصية والإساءة فهذا حري بأن يسلب هذه النعمة وتحل به النقمة والعقوبة.

إن العبد الشاكر هو الذي يعرف ربه حق المعرفة ويقدره حق قدره. واسمع إلى قول الله تعالى:بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الزمر: ٦٦ -٦٧،ولا حظ الربط بين العبودية والشكر وتقدير الله حق قدره، فكلما زاد علم العبد بربه زاد اعترافه بعظمته وبمنته وتبين له عظيم فقره وشدة تقصيره فاجتهد في شكر ربه.

فأنت أيها العبد بين أمرين إما مغفرة تستوجب الشكر أو ذنوب تحتاج إلى استغفار ففي كل حال أنت مطالب بالصلاة لله رب العالمين في كل وقت.

أما من نقص علمه وضعف يقينه فتجده يستثقل حتى الصلوات المفروضة ويستطيلها إلى حد أن ينقرها نقر الغراب لا يطمئن فيها بركوع ولا سجود ولا يعي ما يقول فيها إن كان يقول شيئا.

فالصلاة هي أعظم عمل يتقرب به العبد إلى ربه ويتحبب إليه، وعلى هذا فهي أعظم ما يقدمه العبد شكرا لمولاه على نعمه التي لا تعد ولا تحصى:إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) الكوثر: ١ -٢

ولو لم يكن للصلاة سوى هذا المقصد لكان كافيا أن تشغل وقت وحياة العبد الفقير إلى ربه المغمور بنعمه والمحاط بفضله والمأسور بمنته.

لو لم تكن الصلاة إلا شكرا لله على نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم الذي ضل عنه كثير من الخلق؛ لكان ذلك كافيا وحافزا للعبد أن يجعل عمره كله صلاة.

فتقرب أيها العبد الفقير إلى ربك بالصلاة شكرا له على نعمه ورجاء الزيادة التي وعد الله عباده الشاكرين:وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ إبراهيم: ٧، وكن من القليل الذين قال عنهم ربهم ومولاهم:وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) سبأ: ١٣.

إن بعض الناس حين يحس بغمرة الفرح والنشوة بتجدد نعمة أو اندفاع نقمة لا يقع في نفسه تعبيرا عما فيها من الشكر إلا الصدقة بالمال ونحوه وهذا خير وعمل جميل، لكن الصلاة قبله وفوقه بكثير،إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) الكوثر: ١ -٢

 وكان هذا هو هدي سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه فإنه يبادر إلى الصلاة ويكثر منها حين تجدد نعم ربه عليه ومن أبرز ما حفظ لنا من هديه صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر صلاة الفتح: أي فتح مكة فقد صلى ثماني ركعات شكرا لله عز وجل على هذه النعمة العظمى.

ففي كل صلاة تصليها تذكر هذا المقصد وضمه للمقاصد الأخرى ليعظم أجر صلاتك ويعظم نفعها وأثرها على قلبك، وعند تجدد نعمة أو اندفاع نقمة فخصها بصلاة تدخل فيها على مولاك تشكره على عظيم نعمته عليك.

لو قضى العبد حياته كلها ساجدا لله لما قام بشكر سيده ومولاه، ولكن ربنا غفور رحيم شكور حليم يرضى منا باليسير، قد رضي منا بما نقدر عليه وعفا عنا ما نعجز عنه أو يشق علينا فعله، فاللهم لك الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

من يكثر الصلاة بهذه النية وهذا المقصد فإنه يتربى على الشكر في حياته كلها، وفي سائر أموره، والشكر هو سيد الأخلاق وأصلها ومنبعها، منه تتفرع وعليه تدور.

الإيمان نصفان: شكر وصبر كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، والمتأمل في آيات القرآن الكريم يجد اقتران الشكر بالصبر، والتأكيد على أن الاتعاظ والانتفاع بالآيات حاصل لمن كان كذلك: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(5) إبراهيم: ٥، فهما الوجهان العمليان للعلم والإيمان، وهما ثمرة الإيمان للحالتين اللتين يتقلب العبد بينهما في هذه الحياة.

تأمل آيات الشكر في القرآن الكريم تتضح لك أبعاد هذا المقصد وتتبين لك خفاياه وأسراره.

المقصد السادس: الصبر

الصلاة هي مصنع العلم والإيمان الذي يحصل به الصبر والثبات في هذه الحياة وقد أوصانا الله عز وجل بهذا الأمر العظيم حين قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153) البقرة: ١٥٣

وكانت الصلاة هي وصية الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في بداية التكليف بالرسالة والدعوة ، ومن ذلك قوله تعالى : فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) ق: ٣٩ - ٤٠،وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49) الطور: ٤٨ - ٤٩، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) المزمل: 2 إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) المزمل: ٥,وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) المزمل: ١٠، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) الإنسان: ٢٣ - ٢٦.

مع بداية بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وفي الأيام الأولى جاء فرض صلاة الليل على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى من معه من المؤمنين ، وكان أول فرضها كما بينته آيات سورة المزمل : قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) المزمل: ٢ - ٦، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من صحابته الكرام سنة كاملة حتى تورمت أقدامهم ، ثم خففت هذه الصلاة بقوله تعالى :  عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ المزمل: ٢٠، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم على الفرض الأول.

فالصلاة هي زاد المسلم ومصدر طاقته في هذه الحياة، لا يستطيع بدونها أن يعبد ربه وأن يستقيم على دينه، ويبلغ رسالة ربه.

يقول تعالى:إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) المعارج: ١٩ -٢٣هذه الآيات تؤكد أن المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ليسوا من هذا النوع من الناس، بل هم على العكس من ذلك فهم إذا مسهم الشر صبورون، وإذا مسهم الخير شكورون.

 فمن مقاصد الصلاة المهمة التي يجب أن تكون حاضرة في قلب العبد أن من يصلي فإنه يحصل على القوة والثبات في هذه الحياة، ويسلم من نكدها وكدرها فهو يعيش في واحة الإيمان وجنة الرضا في كل أحواله.

والصلاة هي وسيلة الصبر عن المعاصي والحماية من الشهوات كما قال تعالى:إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ العنكبوت: ٤٥،ففي هذه الآية بين الله تعالى مقصدين من مقاصد الصلاة: الأول: أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، والثاني: تحقق ذكر الله تعالى في القلب، ونص سبحانه على أن المقصد الثاني أعلى وأكبر وأهم، وذلك أن الأول ما هو إلا نتيجة وثمرة للثاني، ولو لم يكن للصلاة سوى هذا المقصد وهذه الفائدة والثمرة لكفى حافزا للحرص عليها والعناية بها.

إن الصبر وقوة التحمل وقوة الإرادة غالية وثمينة جدا، وكثير من الناس يبحث عنها ولا يجدها، فإذا علمت أنها الإيمان، والإيمان هو الصلاة علمت أن الصلاة غالية وثمينة فاحرص عليها لتستدرك حياتك ووقتك وتحافظ على جهودك وتبني مستقبلك في الدنيا وفي الآخرة.

إنه علاج مؤكد أكده أصدق القائلين، وهو علاج مجرب جربه ألاف الصالحين، وكل من عرفه وذاق حلاوته ورأى نفعه لم يطق فراقه أو الصبر عنه، ولم يفرط فيه بقية حياته كلها.

إنها كلمة نوجهها لكل الذين أزعجهم وأقلقهم ضعف إيمانهم، ضعف إرادتهم وقلة صبرهم، فأوقعهم في النقائص، وقعد بهم عن بلوغ الفضائل، نقول لهم عليكم بالصلاة ففيها الدواء الناجح والعلاج الشافي.

فنحن نصلي من أجل أن نصبر، نصلي من أجل أن نفقه حقيقة وجودنا في هذه الحياة الدنيا وما بعدها من الحياة الأخرى فنتعامل مع أحوال الحياة في السراء والضراء بمواقف سديدة وآراء صائبة هذا من أهم مقاصد الصلاة.

جاء في أول سورة طه قول الحق تبارك وتعالى: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)طه: ١٤، وقريبا من آخر السورة جاء قوله سبحانه : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا طه: ١٢٣ - ١٢٤فأولا بين سبحانه وتعالى أنه لا إله في هذا الوجود سواه ، ولأجل هذا فهو وحده لا شريك له المستحق للعبودية ، ثم بين الطريق إلى تحقيقها وهو إقامة الصلاة ، فإقامة الصلاة يحقق ذكر الله تعالى؛ أي إخلاص العبودية له سبحانه وتعالى ، ثم بين أن اتباع ذكره سبحانه هداية وأمان من الضلال والشقاء وأن من فرط فهو مستوجب للضلال والشقاء والضنك في الحياة الدنيا والآخرة.

 ثم ختم سبحانه السورة بالأمر بالصلاة وبيّن أنها الطريق إلى سعادة الدنيا والآخرة فقال تعالى:  فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ (130) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ (132)طه: ١٣٠ - ١٣٢ ، فجمعت هذه الآيات أطراف هذا المقصد فبينت أن الطريق إلى الصبر والرضا هو الصلاة في كل الأوقات ، وأن من فعل ذلك لم يغترَّ بما فُتن الناسُ به من زهرة الحياة الدنيا ولهوها ولعبها ومتعها الزائلة ، وأكدت الآيات أن من قام بالصلاة وصبر عليها فإن الله تكفل له بالحياة الكريمة الطيبة ورزقه مكفول فلن يحتاج إلى أحد من الخلق أبدا، والرزق كلمة عامة تشمل كل ما يحتاجه الإنسان في أمور معاشه.

المقصد السابع: الثواب

هذا المقصد هو (مقصود المقاصد) فكلها تسعى لتحقيقه والحصول عليه فما التدبر والتذكر والمناجاة والشكر والصبر والتضرع إلا وسيلة إلى الفوز بالثواب والنجاة من العقاب، وما يحصل من مكاسب في الدنيا بسبب الصلاة ما هو إلا نوع من الثواب عُجِّل للمصلي في دنياه، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا.

نصوص ثواب المحافظة على الصلاة، وعقاب التهاون بها وتركها كثيرة، ولم أذكر هنا شيئا اكتفاء بما ذكرته في معجم السنة التربوي.

وإن أعلى الثواب وأوله وآخره رضى الله سبحانه وتعالى هذا هو مقصود الصلاة الأكبر وغايتها العظمى والذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد عليه في كل سجدة من سجداته حين كان يدعو بقوله: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك....

رضى الله تعالى عن العبد هو باب كل خير، وهو البداية والنهاية، من حصل عليه نال كل شرف وفضيلة وخير، وما أنواع الثواب الأخرى إلا فروع وثمار لرضى الله تعالى، فالمغفرة ومحو الذنوب وتكفير السيئات ورفعة الدرجات ووجوب الجنَّات، والعتق من النار هو ثمرة ونتيجة رضا الله تعالى.

وأعظم أمر يحقق رضا الله تعالى هو إخلاص العبودية له سبحانه وهو فرع عن العلم العميق الدقيق بالله تعالى وهو ما تحققه الصلاة بمفاتيحها التي أعظمها قراءة القرآن بتدبر، قراءة مكثفة كثيرة غزيرة.

ومن فاته هذا الثواب فقد خسر وخاب، من فاته رضى الله سبحانه وتعالى فقد حل به سخطه وغضبه وهو حري بعقابه ونقمته، وهذا جزاء المستكبرين عن عبودية ربهم وخالقهم ومالكهم، جزاء الذين لم يكونوا من المصلين.

فوائد ليست مقاصد

إن فوائد الصلاة وثمارها في الدنيا لا حصر لها، ذلك أنها تقوم بصناعة هذا الإنسان صناعة متقنة محكمة ومن ثم تتعدد وتتنوع المنافع والفوائد التي تحققها تلك الصناعة.

وأذكر بعض هذه الفوائد إجمالا وأؤكد أنها ليست مقاصد بل هي فوائد وثمار، هي جوائز وهبات ومنافع يسوقها الله لعبده الذي شرح صدره للصلاة ويسرها له، والعبد الصالح يستعين بهذه الهبات والفوائد على طاعة الله وذكره، يستغلها ويستثمرها في الخير.

من فوائد الصلاة:

- الوقاية من الأمراض النفسية

- الشجاعة والإقدام

- النشاط والحماس

- الحلم والأناة والرفق وحسن الخلق

- سعة الرزق.

- قوة الإرادة

- إدارة الوقت بفاعلية

- توفير المال والنجاح في إدارته

- النوم المريح وتخفيض عدد ساعاته

- قوة التركيز والانتباه

- النصر في جميع الميادين.

- النجاح في الدراسة والعمل.

- السعادة وشرح الصدر

- قوة البدن وصحته

 

وهذه الفوائد لا ينبغي للمصلي الاشتغال بها، لأن ذلك يضعف تحقيق المقاصد ويصرف النية عن الأصل من مشروعية الصلاة، والمطلوب هو التركيز على المقاصد وتحصيل الإيمان العميق بها، مع الاجتهاد في تحقيق مفاتيح الصلاة كاملة فإنها متى تحققت تحقق ما بعدها بعون الله تبارك وتعالى.

وربما تساءل البعض فقال: نرى كثيرا من المصلين لم تحقق لهم الصلاة القوة البدنية فانتشرت بينهم أمراض يعزى سببها إلى قلة الحركة ونقص المرونة، وصاروا يحتاجون لتحصيلها إلى نواد صحية أو برامج رياضية.

والجواب أنه لتحقيق الصلاة للقوة البدنية لا بد من أمرين:

الأول: الكيفية الصحيحة وهذا مهمل عند كثير من المصلين خاصة في كيفية الركوع والسجود والجلوس.

الثاني: الكمية،فعدم كثرة الصلاة، والسرعة في أدائها وترك الطمأنينة فيها وعدم تطويل القيام والركوع والسجود والجلوس يجعل الصلاة لا تحقق للبدن الصحة والقوة.

إن الوقوف الطويل في الصلاة يعقبه ركوع طويل يؤدي إلى تمدد عضلات الجسم من أعلاه إلى أسفله، وخاصة العمود الفقري، ثم السجود والجلوس كذلك، تعاقب هذه الأوضاع بالكيفية والكمية الصحيحة واستمرارها كل يوم بتوزيع منتظم له أثر كبير على صحة البدن بجميع أجزائه وأجهزته والتجربة في هذا الأمر خير برهان.