المفتاح الثالث: قراءة القرآن بتدبر

قراءة القرآن بتدبر أحد المفاتيح الرئيسة لإقامة الصلاة، ولا تصح الصلاة بدون قراءة الفاتحة وهي أم القرآن، وهي الحد الأدنى ثم المجال مفتوح لمن شاء الزيادة وعلو المكانة.

إن من أكبر أسباب ضعف الصلاة وعدم حصول ما أخبر الله تعالى عنها من تأثير على القلب والنفس هو إهمال هذا المفتاح العظيم من مفاتح إقامة الصلاة.

الكثير من الناس يصلي الصلوات المفروضة وبعض النوافل لكن لو نظرت إلى صلاته لم تجد فيها ما يمكن أن يصدق عليه اسم الصلاة ، بل هي صلاة سريعة خالية من أي قراءة بقلب، ولو كان هذا الاستعجال في أداء هذه الصلاة لأمر ضروري وطارئ لكان في ذلك عذر، لكن الملاحظ أنه ينتهي من هذه الصلاة ليشتغل باللهو واللعب والقيل والقال ، ولو كان هذا الأمر فترة من العمر ثم يصلح الواحد من شأنه أيضا لكان الأمر أهون لكن الواقع أن مثل هذه الصلاة هي الغالبة على مختلف الأعمار من أطفال وشباب وشيب ذكورا وإناثا ، ولو كان الواحد من هؤلاء يعترف بتقصيره وتفريطه لكنت ترجو أن يصلح حاله يوما ما؛ لكنه يصلي مثل هذه الصلاة ويرى أنه قد بلغ الكمال وقضى ما عليه من واجب العبودية لله رب العالمين، والأخير هو أخطر هذه الأمور.

إن تضييع هذا المفتاح له صورتان:

الأولى: قلة قراءة القرآن في الصلاة.

الثانية: الاستعجال في القراءة وعدم تدبر ما يقرأ.

القرآن روح الصلاة، فصلاة بلا قرآن كبدن بلا روح، والقرآن نور الصلاة، فصلاة بلا قرآن كبيت مظلم لا تبصر فيه شيئا:كَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) الشورى: ٥٢، الصلاة لا تسمى صلاة إذا لم يكن فيها روحها ونورها وهو القرآن ذي الذكر.

ولكي تكون قراءة القرآن في الصلاة روحا ونورا لا بد من تطبيق مفاتيح تدبر القرآن العشرة، والاجتهاد في ذلك غاية الاجتهاد والصبر والمثابرة إلى أن يصل المصلي إلى مرحلة يذوق فيها حلاوة القرآن ولذة مناجاة الرحمن بكلامه.

 والبيان العملي لذلك مفصل في كتاب مستقل بعنوان: (مفاتح تدبر القرآن والنجاح في الحياة)، لكن أذكِّر هنا بأمور منها:

أولا: الصلاة عمود الدين، والفاتحة عمود الصلاة، فالفاتحة إذا عمود عمود الدين، وجاء في الصحيح: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فيجب العناية بقراءة الفاتحة في كل ركعة

في كتاب (القراءة بقلب) تدريب: (الفاتحة مفتاح النجاح في الحياة)فاحرص على هذا التدريب ليفتح الله لك أبواب الخيرات والبركات في الدنيا، وتنال أعظم الدرجات والمنازل العالية في الآخرة، على المصلي أن يستثمر هذا التكرار اليومي لسورة الفاتحة في إحياء القلب وزكاة النفس وجعل الصلاة تعين على الحياة.

ما شرعت قراءة الفاتحة في كل ركعة من كل صلاة إلا لخطورتها وشدة حاجة العبد إليها، ومن تأمل في معانيها تبين له ذلك.

ثانيا: قراءة القرآن في صلاةالليل بتحزيب وجهر وتكرار وترتيل وربط من أهم الأمور التي تعين على تحقيق مفاتيح إقامة الصلاة ذلك أنها تعمق تأثير القرآن في القلب فيزداد علمه ويقينه ويزداد خشوعه وإخباته.

ثالثا: يجب أن تكون قراءتك مفسرة حرفا حرفا كما ورد هذا في وصف قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة صحابته رضي الله عنهم ، وهذا يكون بتقطيع القراءة آية آية ، التوقف عن القراءة تماما عند رأس كل آية أو جملة تامة ثم التفكر في معاني ما قرأت، تتفكر فيها من جميع وجوهها،تحاول أن تتذكر ما تعرفه من معانيها، تحاول أن تربطها بما دلت عليه قدر استطاعتك وعلى حد علمك، تكلم نفسك وتجيبها كأنك تفسر الآيات لشخص آخر ، تفسر القرآن آية آية، جملة جملة، تفسره لنفسك حسبما يفتح الله به عليك، وما أشكل فتراجع تفسيره بعد الصلاة.

رابعا: إذا مررت بآية فيها تسبيح قف وسبح الله تعالى وعظمه، وإذا مررت بآية فيها وعد ورحمة فقف واسأل الله من فضله، وإذا قرأت آية فيها وعيد فقف وتضرع إلى الله تعالى أن يعيذك من هذا العذاب، وهكذا في كل القراءة.

من يقرأ بهذه الصفة يزيد تدبره وعمق فقهه لما يقرأ، ويناجي الله بقراءته فيزداد قربه منه سبحانه فيكون حريا بأن يعطى ما سأل وأن يعاذ مما استعاذ منه.

خامسا: لا يكن همك آخر السورة ولا آخر الوجه أو آخر الموضوع والقصة بل همك فهم وفقه ما تقرأ حرفا حرفا، كلمة كلمة، لا تلزم نفسك بإنهاء السورة أو الوجه أو المقطع قبل أن تركع، بل اقرأ القرآن آية آية وحيثما انتهى الوقت المخصص للقراءة في الركعة فاركع حيثما كنت وأينما وصلت.

قد يقول قائل إذا كنت سأقرأ بهذه الطريقة فسوف يطول بي المقام ولن أستطيع ختم القرآن إلا في سنة أو أكثر، فنقول: أولا: ليس المهم ختم كل القرآن وإنما المهم فقه القرآن وتدبره، وثانيا: نقول ليس الأمر كذلك بل هو يسير على من يسره الله عليه، وحين يتعود القلب على هذه الطريقة تسهل عليه ويمكنه الجمع بين القراءة وبين التدبر والتسبيح والدعاء، لكن ربما في البداية يكون الأمر صعبا على البعض.

قد وجد من يشكك في حديث حذيفة وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ذات ليلة بسورة البقرة والنساء وآل عمران في ركعة وأنه إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بآية فيها وعد وقف يسأل، وإذا مر بآية فيها وعيد وقف يستعيذ، والحديث في صحيح مسلم، ويتعجب كيف قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه السور الطوال في ركعة واحدة بهذه الطريقة فالجواب ما ذكرت وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

سادسا: كلما كثرت قراءة القرآن في الصلاة كانت أعظم بركة وأكثر نورا وروحا وأقوى في تحقيق العبودية لله تعالى، وقوة تثبيت ذكره سبحانه في القلب وأقوى في تقوية الإيمان واليقين.

سابعا: يجب ألا يكون طول القراءة وكثرتها على حساب التدبر والتفكر بل يجب تطبيق كل مفاتيح التدبر.

ثامنا: لا يصح أن يكون طول القراءة على حساب الركوع والسجود بل يجب التسوية بينها فلكل ركن نصيبه، فالصلاة بهذا الترتيب: أولا القرآن وما يثمره من العلم التفصيلي العميق بالله واليوم الآخر، ثم الركوع لتعظيم الرب وإجلاله وتقديسه امتثالا لما جاء في القرآن وتطبيقا له وعملا به، ثم التضرع في السجود افتقارا إلى الله واستغاثة بالله تعالى وطمعا في حصول مرضاته، أما الميل إلى أحد هذه الجهات الثلاث دون غيرها فيحدث نقصا في الصلاة وتشويها لها وتقليلا لثمرتها وفائدتها ونفعها.

تاسعا: كل ما ورد عن السلف في تحزيب قراءة القرآن فهو قراءته في صلاة الليل وما ورد عنهم سوى ذلك فهو زيادة على هذا الأصل، أما الاقتصار على تحزيب قراءة القرآن خارج الصلاة فهو من فعل بعض المتأخرين ممن خفي عليهم العلم بهذه المسألة، أو بسبب الكسل عن قراءة القرآن في الصلاة.

إن المتأمل في صلاة الناس اليوم يجد التطفيف الحاد في قراءة القرآن في الصلاة، فالصلاة المفروضة تكون في حدود سبع دقائق من التكبير إلى التسليم، يستوي في ذلك كل الصلوات الخمس دون تمييز.

لو نظرنا إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر لوجدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل صلاة الظهر كما جاء في الصحيحين: أن صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي منزله ثم يتوضأ ثم يأتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطولها، وجاء في حديث آخر أنه يقرأ في الظهر بقدر سورة ألم تنزيل السجدة، وأما صلاة الفجر فكان يقرأ فيها بطوال المفصل.

لست أدعو إلى تطويل الصلاة والناس لا تطيق ذلك بل السنة في الصلوات المفروضة أن الأمام يقرأ حسب ما يطيقه الناس ولا يؤدي إلى مللهم ونفورهم من الصلاة.

يجب أن يعلم الناس أن هذا سبب نقصهم وضعفهم، وأن يربى الناس على الصلاة التي تمدهم بالحياة بالقوة والعافية، الصلاة التي تصلح جميع أحوالهم ويكون هذا بنشر العلم بهذه القضية وإشاعتها على أوسع نطاق وفي أعمق عمق تصل إليه، هذا هو أفضل وأعلى طريق للإصلاح والتربية والتغيير.

إذا كانت القراءة في الصلوات المفروضة يراعى فيها عامة الناس، فهذا يؤكد على كل راغب في الخير أن يعوض هذا النقص في قراءته في صلاة التطوع.

نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تورمت قدماه الشريفتان من كثرة ما يطيل الوقوف لقراءة القرآن، فمن منا تورمت قدماه من أجل تدبر القرآن وذكره.

قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما سيحصل من خلل في تضييع هذا المفتاح الكبير من مفاتح إقامة الصلاة فقال: يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري)

هذه حال من فرق بين القرآن والصلاة، الصلاة دون تدبر القرآن ليست صلاة، ومهما كثرت فلا تحقق الإيمان والهداية للصراط المستقيم أبدا.

يستحيل أن تجد مبتدعا قد جمع بين الصلاة والقرآن، أعني قراءة القرآن بتدبر في الصلاة بالمفاتيح التي ذكرتها في كتاب مفاتح تدبر القرآن، هذا هو مربط الفرس، ومحك القوة والنجاح، ومحور النصر والثبات، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.

يستحيل وأقول يستحيل أن يوجد ضلال مع تطبيق هذه المفاتيح، مفاتح إقامة الصلاة ومفاتح تدبر القرآن، من هدي إليها ووفق للقيام بها فقد هدي إلى صراط مستقيم، ودل على خير عظيم.

انظر في المبتدعة من حولك أينما كنت هل تجد عندهم هذا السر العظيم، لا أظن ذلك أبدا، وإن ظهر لك في الوهلة الأولى خلاف ذلك فارجع البصر مرة بعد مرة؛ يتبين لك الأمر وتنكشف لك الحقائق.

إن كثيرا من المسلمين اليوم قد فرط في هذه المفاتيح فأصبحت حياته في خطر، وإيمانه على شفا جرف يكاد ينهار به في أودية الضلال والضياع،فالأمر جد خطير ولا يحتمل التهاون أو التأخير،بل يجب الجد والتشمير في تعلم مفاتح إقامة الصلاة والتربية عليها قبل أن يخسر الواحد منا نفسه وأهله ثم لا ينفعه الندم ولا تفيده الحسرة شيئا.