المفتاح الثاني عشر: كثرة الصلاة

المسألة الأولى: فضائل كثرة الصلاة

عن معدان بن أبي طلحة اليعمري قال لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة أو قال قلت بأحب الأعمال إلى الله فسكت ثم سألته فسكت ثم سألته الثالثة فقال سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ثم لقيت أبا الدرداء فقال لي مثل ما قال لي ثوبان < مسلم>

وعن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي سل فقلت أسألك مرافقتك في الجنة قال أو غير ذلك قلت هو ذاك قال فأعني على نفسك بكثرة السجود<مسلم>.

المسألة الثانية: مفهوم كثرة الصلاة

إن كثرة الصلاة يكون بأمرين معا:

الأول: كثرة الركوع والسجود أي عدد الركعات وهذا يتحقق بدوام الصلاة.

الثاني: كثرة القراءة والتعظيم والتضرع، ويكون هذا بطول الصلاة.

وبهذين الأمرين جاءت النصوص ووقع بين العلماء خلاف في أيهما أفضل هل طول القيام وكثرة القراءة، أو كثرة الركوع والسجود، والتحقيق أن كلا الأمرين مطلوب، ومن المعلوم أن طول القيام يترتب عليه طول الركوع وطول السجود هذا هو المحفوظ من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال ابن تيمية: تنازع العلماء أيما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام أو هما سواء؟ على ثلاثة أقوال عن أحمد وغيره: والصحيح أنهما سواء، القيام فيه أفضل الأذكار، والسجود أفضل الأعمال فاعتدلا؛ ولهذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة يجعل الأركان قريبا من السواء وإذا أطال القيام طولا كثيرا -كما كان يفعل في قيام الليل وصلاة الكسوف-أطال معه الركوع والسجود وإذا اقتصد فيه اقتصد في الركوع والسجود "اهـ  

وأما كثرة السجود مع التخفيف والتطفيف فلا تحقق مقاصد الصلاة، وهذا يفسر شكوى بعض المكثرين للصلاة من عدم خشوعهم فيها وعدم تحقق ما وعد الله المصلين من القوة والثبات واليقين والصبر والنصر والبركة في الحياة، أما من يجمع بين الأمرين حسب ما ورد تفصيله في السنة فهذا الذي يستفيد من صلاته.

لا يصح أن يفهم أحد أن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في كثرة الصلاة يكون بالعدد مع إهمال المفاتيح الأخرى، فالبعض مثلا لما سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة فهم أن المقصود العدد فصار لا يزيد على إحدى عشرة ركعة لكنه يصليها باستعجال في دقائق معدودة، بينما النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها في أربع ساعات على الأقل وربما زاد إلى ست أو سبع ساعات في بعض الليالي.

 فليست العبرة بالعدد بل مع العدد لا بد من الكيف والصفة فقد كان من صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل طول القيام وكثرة التعظيم والثناء على الله تعالى وطول السجود وكثرة التضرع والمناجاة لله عز وجل، فإن أطاق المصلي مثل هذه الركعات واستغرقت مثل وقتها فهذا هو عين السنة، وحين يعجز المصلى عن ذلك فعليه بما يطيق، وأن يتفوق الليل تفوقا، أي يوزع صلاته على أول الليل ووسطه وآخره وأن تكون ركعاته بقدر ما يطيق في الطول، ولا عليه إن زادت عن إحدى عشرة أو نقصت.

يقول الله تعالى في صفة المتقين المستحقين للجنات والعيون : كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) الذاريات: ١٧،  وخير تفسير لهذه الآية هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم نصف الليل أو ثلثيه ، فمن صلاة الليل: صلاة المغرب وصلاة العشاء وسنتهما الراتبة ، ثم كان ينام بعد العشاء في حدود ثلاث ساعات ليقوم بعدها يصلي إلى الفجر ، وربما في بعض الليالي يصلي بعد العشاء ركعتين ثم ينام ، ثم يستيقظ فيصلي ثم ينام ، ثم يستيقظ ويصلي إلى الفجر ، فالمهم أنه كان لا ينام من الليل إلا قليلا .

صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أكمل وأعلى من صلاة داود عليه السلام الذي كان ينام نصف الليل ثم يصلي ثلثه ثم ينام سدسه ، فهذه مرتبة أدنى من مرتبة صلاة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وليس معنى قوله صلى الله عليه وسلم أنها أحب الصلاة إلى الله أنه لا يشرع غيرها أو لا يوجد أكمل منها ، بل فعله صلى الله عليه وسلم لا يخالف قوله ، فقد أخبر أن أحب الصيام إلى الله صيام داود ومع هذا لم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه التزم به بل كان له هدي خاص في صيام التطوع مفصل في مواضعه من كتب أهل العلم ، المقصود أن تفسير قول الله تعالى :كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) الذاريات: ١٧ ،هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل وهو ما وصفته، والوصول إلى هذه المرتبة يحتاج إلى مجاهدة وإلى قوة إيمان تحتاج إلى تدرج وتمهل وصبر ومثابرة.

المسألة الثالثة: دوام الصلاة

يقول الله تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) الإسراء: ٧٨ -٧٩،بينت هذه الآيات أن الصلاة تكون على مدار الساعة وأن المحافظة على ذلك يكون سببا في نيل المقامات العالية يوم القيامة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار (البخاري عن ابن مسعود)، ومعنى الحديث: أن كل ما في هذه الدنيا لا يستحق أن يتنافس عليه وأن يبذل فيه الوقت والجهد إلا أمران: الأول: دوام الصلاة، الثاني: دوام النفقة.

وهذان الأمران اقترن ذكرهما في القرآن كثيرا، ذلك أن عليهما مدار القوة والنجاح في الحياة، فالعلم والمال هما ركنا النجاح في أي أمر من أمور الحياة.

يقول الله تعالى:  إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) المعارج: ١٩ - ٢٣، هذا خبر من العليم الخبير ، خالق هذا الإنسان ومدبره ، ينص على أن الإنسان كل إنسان خلق هلوعا؛ إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين ، وليس كل المصلين بل الذين هم على صلاتهم دائمون، فهذا شرط وصفة مهمة لتحقيق هذا المقصود العظيم من مقاصد الصلاة ، الشرط هو دوام الصلاة ، الصلاة على مدار الساعة.

وخير تفسير عملي لقوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)المعارج: ٢٣،هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان ورده في الليل والنهار أربعون ركعة هذا الثابت في معظم النصوص وبيانه كما يلي:

17 ركعة الصلوات الخمس

11 ركعة صلاة الليل

12 ركعة السنن الرواتب

ومن النصوص الواردة في بيان تطوع النبي صلى الله عليه وسلم في النهار ما أخرجه ابن ماجه عن عاصم بن ضمرة قال سألنا عليا رضي الله عنه عن تطوع النبي - صلى الله عليه وسلم – بالنهار-  فقال: إنكم لا تطيقونه، فقلنا أخبرنا به نأخذ منه ما استطعنا، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الفجر يمهل حتى إذا كانت الشمس من ها هنا ــ يعني من قبل المشرق ــمقدارها من صلاة العصر من ها هنا - يعني: من قبل المغرب- قام فصلى ركعتين، ثم يمهل حتى إذا كانت الشمس من ها هنا ــ يعني من قبل المشرق - مقدارها من صلاة الظهر من ها هنا قام فصلى أربعا، وأربعا قبل الظهر إذا زالت الشمس، وركعتيه بعدها، وأربعا قبل العصر يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، والنبيين، ومن تبعهم من المسلمين، والمؤمنين ، قال علي رضي الله عنه : فتلك ست عشرة ركعة تطوعه - صلى الله عليه وسلم - بالنهار، وقلَّ من يداوم عليها، قال وكيع: زاد فيه أبي فقال حبيب بن أبي ثابت: يا أبا إسحق، ما أحب أن لي بحديثك هذا ملء مسجدك هذا ذهبا.

 ومعنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في النهار ست عشرة ركعة تطوعا وبيانها كما يلي: ركعتان بعد شروق الشمس بنحو ساعتين، وأربع ركعات قبل أذان الظهر بساعتين، وهذه صلاة الضحى، ثم راتبة الظهر قبلها أربع ركعات وبعدها ركعتان، ثم راتبة العصر أربع ركعات.

المتأمل في ورد النبي صلى الله عليه وسلم اليومي من الصلاة يرى أنه موزع على الأربع وعشرين ساعة بنظام بديع بحيث لا يفصل وقت طويل بين صلاة وصلاة ، فصلاته صلى الله عليه وسلم على مدار الساعة دون توقف هذا دأبه كل يوم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : اكلفوا من العمل ما تطيقون فعلى المسلم أن يأخذ نفسه بالتدريج لكي يصل إلى التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم كما وكيفا ، ولا يحسن التعنت في هذا الأمر ومشادة النفس بل يؤخذ الأمر بالتدريج والمجاهدة والصبر ولو استغرق ذلك سنوات فالمهم أن الهدف واضح وأنك تسير في الطريق الصحيح ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

وهذا جدول مقترح يبين كيفية توزيع الصلاة على مدار الساعة:

عدد

الصلاة

الوقت

الزمن

الركعات

1

راتبة الفجر

 

5

2

2

صلاة الفجر

 

10

2

3

صلاة أول الضحى

بعد الشروق بساعة أو أكثر

20

2

4

صلاة آخر الضحى

قبل الظهر بساعة أو أكثر

20

4

5

راتبة قبل الظهر

 

10

4

6

صلاة الظهر

 

10

4

7

راتبة بعد الظهر

 

5

2

8

ركعتين قبل العصر

 

5

2

9

صلاة العصر

 

10

4

10

ركعتين قبل المغرب

 

5

2

11

صلاة المغرب

 

10

3

12

راتبة المغرب

 

5

2

13

صلاة العشاء

 

10

4

14

راتبة العشاء

 

5

2

15

صلاة أول الليل

 

30

2

16

صلاة آخر الليل

 

30

2

17

الوتر

 

5

1

المجموع

17 صلاة من 50 صلاة

 

195دقيقة

42 ركعة

 

ليست العبرة والحكمة والسر في عدد الركعات بل المهم أولا: في توزيع الصلاة على مدار الساعة، وتتابع الصلاة بحيث لا يفصل بين صلاة وأخرى وقت طويل، وثانيا: أن تكون الصلاة حقا صلاة، كما تم تفصيله في هذا الكتاب.

والمتأمل فيما ذكرته في هذا الجدول رسما للصلاة على خريطة الوقت يجد أنه لا يفصل بين صلاة وأخرى أكثر من ساعتين إلى ثلاث ساعات.

الأرقام الموجودة في الجدول للتمثيل، وهي قابلة للزيادة والنقص حسب كل شخص.

يلاحظ في هذا الجدول أن الصلاة على مدار الساعة تستغرق أقل من أربع ساعات من أربع وعشرين ساعة في اليوم والليلة، أي السدس وتساوي 16،6% من الوقت اليومي فقط، فكيف بنا لو كانت الفريضة خمسين صلاة فماذا يكون حالنا، فالحمد لله الرحيم الكريم الذي لم يفرض علينا سوى خمس وأعطانا ثواب الخمسين، ودعانا إلى الاجتهاد والزيادة حسب ما نطيق.

الدائم وإن كان قليلا تحس أنه كثير، وقد لا تصدق الحسابات حين تحسبها بلغة الأرقام، ومن ذلك الصلاة، فتوزيعها على مدار الساعة وإن كانت بكميات قليلة تحس أنها كبيرة وربما أحسست أنها ثقيلة بينما هي في الحقيقة لا شيء متى نسب ما تستغرقه من وقت إلى بقية ساعات اليوم مع استحضار واستصحاب أنها الصلاة أعظم عمل في هذه الحياة.

البرنامج المبين في الجدول يمثل مرحلة من التربية والمجاهدة على الصلاة وفوقه مراحل، ويعتبر الحد الأدنى لتحقيق حياة القلب على مدار الساعة، وربما وجدت من يستكثر مثل هذا البرنامج ويعتبره تكليفا بما لا يطاق، ويشفق على صاحبه ويدعوه إلى الرفق بالنفس والاقتصاد في العبادة.

توزيع الصلاة على مدار الساعة له سر عظيم وأثر كبير في دوام حياة القلب، وخاصة في الوقتين الطويلين الضحى والليل، فمتى تحقق دوام الصلاة تحققت الحياة.

من المهم جدا في مسألة دوام الصلاة أن تكون وفق مواعيد محددة معلومة.

إن طلب دوام الصلاة دون وضوح في المواعيد ربما يؤدي للارتباك وعدم الوضوح في الوقت والجهد وربما أدى إلى النكوص وعدم الالتزام.

وأقترح الاستفادة من كتاب: (مفاتيح إنجاز الأهداف وبرنامج مواعيد)، للتفقه في هذه القضية والاستفادة من القواعد والتوجيهات المذكورة في الكتاب.

إن وجود مثل هذا الجدول يضع النقاط على الحروف ويعطي كل ذي حق حقه فلا إفراط ولا تفريط بل الصلاة بمقادير ومواعيد مدروسة موزونة محددة بكل دقة، ويمكن التعديل فيها كلما لزم الأمر.

إن توقف الصلاة عن القلب أكثر من ساعتين أو ثلاث يصيب القلب بالكسل عن الصلاة، فالوقاية من الكسل عن الصلاة دوام الصلاة على مدار الساعة.

إن القلب إذا توقفت عنه الصلاة ولو ساعات فإنه يشعر بالنقص ويحس بالتعب وهذا أمر جربه العارفون وأوصى بمراعاته الصالحون تأكيدا لوصية رب العالمين وهدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

الصلاة للقلب مثل الماء للبدن يحتاجها على مدار الساعة ومتى توقفت عنه فإنه يعطش وقد يشتد عطشه فيصاب بالجفاف والقسوة، وربما صعبت عليه الصلاة إلا بجهد كبير، فإن الصلاة تعين على الصلاة، فالله سبحانه وتعالى يقول : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) البقرة: ٤٥، وأعظم ما يعين على الخشوع في الصلاة؛  الصلاة فهي التي تحقق العلم والإيمان والذكر الذي يثمر الخشوع الذي يعين على الصلاة ، ثم الصلاة تثمر الخشوع وهكذا لا يزال العبد في ارتقاء وصعود حتى يصل أعلى المقامات، وفي أي وقت يغفل عن الصلاة أو يتهاون بها فإن خشوعه ينقص فتنقص صلاته ولا يزال في نقص حتى يصل أدنى المستويات.

فمتى أردت الصلاة فعليك بالصلاة مهما تطلب ذلك في البداية من جهد كبير وشاق ثم بعد ذلك تسهل عليك بالتدريج حتى تصير لك سجية وطبعا لا يمكنك مفارقتها.

ومن الأسرار التي يحققها دوام الصلاة حراسة القلب من الشيطان، في مناوبات متتالية يسلم بعضها الحراسة إلى بعض، فالصلاة هي سلاح المؤمن الذي يجاهد به هذا العدو، وفي أي لحظة يضع هذا السلاح ويغفل عنه يحصل ضعفه ويتسلط الشيطان عليه وقد لا يستطيع النهوض والصعود مرة أخرى إلا بصعوبة، فالوقاية خير وأسهل من العلاج، الوقاية بدوام هذا الغذاء الذي به حياة القلب.

إن دوام الصلاة هو العلاج القوي الفعال لما يعاني منه البعض من تسلط الشيطان على النفس، وما يحدثه من أمراض نفسية أو عضوية، وما يوجد من وساوس قهرية تحول بين الإنسان وممارسة حياته بصورتها الطبيعية، وهذا من الفوائد وليس من المقاصد، إنما السر أن الصلاة تحقق التوحيد في القلب فيقوى على مقاومة الشيطان، أقول هذا لئلا يأخذ البعض الصلاة على أنها مجرد علاج للأمراض النفسية وربما إذا أخذها بهذه النية لا يتحقق له ما يريد فنؤكد على أن السر في التوحيد ووسيلته دوام الصلاة.

كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم صلاة النافلة على الراحلة في السفر خاصة في الوقتين الطويلين الليل والضحى مع أنه يجمع ويقصر،الجمع والقصر للصلوات المفروضة، أما صلاة النافلة فأمرها واسع، ويعفى فيها عن بعض الشروط والصفات تيسيرا لفعلها، ودعوة إلى الاستزادة منها حال السفر.

المسألة الرابعة: طول الصلاة

تنوعت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في طولها وقصرها، فمنها الخفيفة مثل السنن الرواتب، وركعتي الطواف وصلاة المغرب، ومنها المتوسطة مثل صلاة العصر وصلاة العشاء، ومنها الطويلة مثل صلاة الفجر والظهر، وصلاة الليل وصلاة الضحى.

قياس الصلاة يكون بمقدار ما يقرأ فيها، ويقاس بعدد الآيات، ومعلوم عدد آيات كل سورة، وتنوعت سور القرآن في الطول والقصر، وكل صلاة يقرأ فيها ما يناسب طولها، ثم بعد ذلك يكون بقية الركعة مناسبا لمقدار القراءة والقيام، فإذا طال القيام طال الركوع والسجود وبقية أركان الركعة، وإذا قصر القيام، قصر الجميع تبعا له،ولا يلزم أن يكون الركوع والسجود مساويا للقيام، بل مناسبا له متوافقا معه، وسبق في المفتاح الثاني ذكر بعض النصوص الدالة على ذلك.

إن طول الصلاة أحد المعايير والمقاييس الرئيسة لتأثير الصلاة بدونه لا يمكن للصلاة أن تحقق أثرها، وكلما طالت الصلاة كلما كانت أعظم أجرا، وأكثر بركة، وأوسع نفعا، وأكبر تأثيرا في حياة المصلي.

إن كثيرا من الناس اليوم صلاتهم خفيفة ولا يطيقون وربما لا يرون تطويل الصلاة وطول المكث في أركانها، بل يريدونها خفيفة تنتهي بأسرع ما يمكن، وهذا بسبب الجهل بالصلاة، وهو من أهم أسباب حرمانهم من الانتفاع بها وعدم الحصول على جوائزها.

لا بد من التربية على طول الصلاة، ولا بد من التفقه بقياس الصلاة، وإعطاء كل صلاة المقياس المناسب لها حتى تكون صلاة تامة.

لقد كان للسلف أحوال مشهودة في طول الصلاة والصبر عليها لذلك حصلوا على ما رتب عليها من بركات وخيرات، وقدوتهم في هذا وأسوتهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

كلما طالت القراءة في الصلاة كلما زاد النور وقويت الروح التي تحيي القلب وتمده بالطاقة والحياة، أما حين تقل القراءة فإن الحياة تكون ضعيفة حتى وإن كثرت الركعات ودامت الصلاة، فدوام الصلاة نفعه وقوة أثره مرتبط بطول الصلاة بطول القراءة ثم طول التعظيم في الركوع، وطول التضرع في السجود، أما الصلاة السريعة فإنها مهما كثرت وتوالت فأثرها ضعيف جدا.

إن الوصول إلى أعماق الصلاة لا يطيقه إلا من كان نفسه عميقا يصبر على طول الصلاة، وهو بهذا يصل إلى أعماق لا يصلها غيره، ويجد من النور والروح ما لا يجده قصير النفس، ويحصل له من اللذة والمتعة والقوة ما لا يجده أولئك النقارون للصلاة أو الساهون فيها.